صفحة الاستقبال

كتاب التربية الإسلامية والتنشئة على القيم

الشفاهية والكتابية...في ثقافتنا البيداغوجية طباعة أرسل إلى صديق

الشفاهية والكتابية... في ثقافتنا البيداغوجية،   محمد سخانة، متفقّد أول للمدارس الإعدادية والمعاهد


في ثقافتنا البيداغوجية
يحتلّ الكتابي أولوية كبرى، فهو الهدف والغاية من كلّ نشاط تعليمي، أما الشفوي، فمن النادر جدا أن نجعل منه موضوعا للتعلّم، و ما يحدث داخل أقسامنا من خطاب شفوي فلا يعدو في أغلب الأحيان أن يكون وسيلة هدفها الأساسي قيادة المتعلمين إلى جملة من المضامين المعرفية وفق تمشٍ شبه آلي يقوم -كما هو معروف- على توجيه أسئلة يطرحها المدرّس ويجيب عنها بعض التلاميذ

إنّ السؤال في تعريفه اللغوي وفي استخداماته في الحياة اليومية غرضه الحصول على إجابة يجهلها السائل، أمّا في الحياة المدرسية فالأمر مختلف تماما، لأنّ المدرّس يلقي أسئلة ترمي إلى الحصول على معارف أو أفكار ومفاهيم يعلمها مسبقا ويطلب من التلاميذ أن يتوصلوا إليها دون غيرها وإلا اعتبرت الإجابة خاطئة.

يخيّل إلينا أنّنا الآن بصدد الحديث عن بيداغوجيا نشيطة يحتلّ فيها التلميذ دورا هاما لأنّه يشارك في اعتقادنا في بناء المعارف من خلال الإجابة عن الأسئلة التي نقترحها عليه، ولكن ماذا لو نظرنا إلى العملية عن قرب وتأملنا في الأسلوب الذي نمارس به أنشطة التعليم والتعلّم؟.. سنلاحظ بكل يسر أنّ ما نقوم به هو "استجواب" فيه مستجوِب ومستجوَب وكلّما وفّق الأستاذ في "جعل التلاميذ يجيبون عن أسئلته بما يرضيه" كلما اعتبرنا "الاستجواب" ناجحا. إنّه يستجوبهم ليقولوا له ما يرغب هو في سماعه،... ليتكهنوا بما يجول في خاطره لا ما يفكرون فيه أو يعتقدونه، فنحن لا نسألهم عن تصوراتهم وآرائهم ومواقفهم ولا نثق في قدراتهم...

في ثقافتنا البيداغوجية، يستخدم المدرّس المشافهة وسيلة تدفع التلميذ إلى الانخراط في منطقه والالتزام بتمشياته وهو بذلك يمنع المتعلمين –دون قصد منه- من تطوير مهاراتهم وقدراتهم المنهجية ويحول دون تعزيز روح المبادرة والتعبير الحر فيهم...

المشافهة في تقاليدنا التربوية وممارساتنا التعليمية – التعلميّة وحتى في نظامنا التربوي وسيلة وكفى، يستخدمها بعضنا لتنشيط القسم و"استجواب" بعض الحاضرين

التواصل الشفوي ليس من الكفايات التي نستهدفها أو نقصد الاشتعال عليها، وإن حدث ذلك ففي مناسبات قليلة وبكيفية مصطنعة...

نعم هناك عمل المجموعات، وهي مناسبة جيّدة للتواصل الشفوي والتعبير الحرّ، ولكن، كم عدد المدرسين الذين يسمحون لتلاميذهم بهذا النوع من الأنشطة بصورة منتظمة؟ أعتقد جازما أنّ معظم تلاميذنا سيؤكدون أنّهم غادروا المدرسة الإعدادية أو المعهد الثانوي دون أن يكونوا قد شاركوا ولو مرّة واحدة في فريق عمل داخل القسم


في ثقافتنا البيداغوجية، نستخدم الشفاهي لنتثبّت إذا كان التلميذ "يعلم" أو "لا يعلم" حفظ أم لم يحفظ فهو مرة أخرى وسيلة ... للتقييم... ولكنها هذه المرّة وسيلة ظالمة ! نعم، لأنّنا بكل بساطة نقيّم شيئا لم نعلّمه للتلميذ، بله، لم نساعده على تعلّمه ثمّ نحاسبه عليه حسابا عسيرا !..

في مدارسنا، الأولوية القصوى للمسألة الكتابية، نعلّم التلميذ كيف يقرأ ثم كيف يكتب، ونفترض غالبا أن تعليمه: كيف يتكلّم؟ ليس من مشمولاتنا لأنّه أتى إلى المدرسة وهو يحسن الكلام

تؤكّد الدراسات في علم النفس وعلم النفس التربوي وعلم الاجتماع على الأهمية التي يحتلّها التواصل الشفوي داخل القسم وعلى دورها في النجاح المدرسي ثم الاجتماعي للفرد

الكلام ممارسة لسلطة،... والإنصات تنازل عن تلك السلطة

على المتكلّم أن يفهم أن للطرف الآخر حقاً يساوي حقه. وهذا يعني أن يكون على استعداد للاستماع لرأيه بجدية، بوصفه رأياً ممكناً. والإصغاء بهذا المعنى لا يقتصر على التقاط إشارات صوتية، أو فهم ما يقوله الآخر؛ إنه يعني أن أدرك أن الآخر يود أن يقول لي شيئاً مهماً بالنسبة إليه أو بالنسبة إليّ، شيئاً عليّ أن أفكر فيه وأن أكون على استعداد لتغيير رأيي إذا دعت الضرورة إلى ذلك. لهذه الأسباب يعتبر الإنصات كفاية من كفايات التواصل –شأنه في ذلك شأن كفاية التخاطب- لأنّه عملية معقّدة تتطلّب استنفار جملة من المعارف والمهارات والانفعالات الوجدانية والسلوكية بما يتلاءم مع مختلف الموقف والوضعيات، ألا ترى أنّنا نقول: مستمع جيّد لمن يحسن الإنصات إلى غيره؟...

الإصغاء إلى الذات .... الإصغاء إلى الآخر

لكن السؤال الجوهري الذي يطرح نفسه: كيف لي أن أصغي إلى الآخر وأثق به إذا كنت أساساً لا أصغي إلى نفسي ولا أثق بها؟

مما لا شك فيه أنّ القدرة على الإصغاء إلى الذات شرط من شروط الإصغاء إلى الآخر. وإصغاء المرء إلى نفسه أمر شديد الصعوبة لأن ذلك يتطلّب توفّر مناسبات يختلي فيها الإنسان بنفسه ليستمع إليها ويفهمها بعمق،... لكننا في الحقيقة نفضّل الصحبة ولو كانت تافهة أو بغيضة، نفضّل نشاطا ولو كان بسيطا خاليا من المعنى، على أن ننفرد بأنفسنا ... إنّ الخوف من أن نكون وحيدين هو إلى حد ما شعور بالارتباك... يضيّع علينا فرصة الاستماع إلى ذواتنا، فنستمر في جهلنا لأنفسنا... وللناس من حولنا.