صفحة الاستقبال مكتبة المدرّس العقل والنقل في الفكر الإسلامي
العقل والنقل في الفكر الإسلامي PDF طباعة أرسل إلى صديق
الكاتب: كمال   
الأحد, 10 آب/أغسطس 2008 00:53

 إشكالية العقل والنقل في الفكر الإسلامي ، إعداد :الأستاذ كمال بوهلال المعهد الثانوي فرحات حشاد مساكن

1 - التعريفات

أ – العقل :

* لغة : عقل الشيء فهمه فهو عقول

عقل :  العَقْلُ: الـحِجْر والنُّهى ضِدُّ الـحُمْق، والـجمع  عُقولٌ.

و<< عَقَل، فهو  عاقِلٌ و عَقُولٌ من قوم  عُقَلاء.

 ابن الأَنباري: رَجُل  عاقِلٌ وهو الـجامع لأَمره ورَأْيه، مأْخوذ من عَقَلْتُ البَعِيرَ إِذا جَمَعْتَ قوائمه،>> لسان العرب لابن منظور: (630 ـ 711 هـ ـ 1232 ـ 1311 م)

<< عَقَل يَعْقِل عَقْلاً فهو عاقل. والمَعْقُولُ: ما تَعْقِلُه في فُؤادِك. ويقالُ: هو ما يُفْهَمُ من العَقْل>> ،كتاب العين باب العين والقاف واللام للخليل بن أحمد بن عمرو بن تميم الفراهيدي (100 ـ 170 هـ ـ 718 ـ 786 م) 

العقل في اللغة العربية الربط والحجر والنّهي منعا للشرود والتسيّب

يقال << يعقل النّفس يمنعها عن التصرّف على مقتضى الطّباع >>

والعقل العلم بصفات الأشياء من حسنها وقبحها وكمالها ونقصانها

* اصطلاحا:   عقل:  العَقلُ يقالُ لِلقُوَّةِ المُتَهَيِّئَةِ لِقُبُولِ العِلْمِ ويقالُ لِلْعِلْمِ الذي يَسْتَفِيدُهُ الإنْسَانُ بتلْكَ القُوَّةِ عن مفردات القرآن الكريم برنامج جامع المعاجم( قرص مدمج )    تفسير ابن كثير ج: 2 ص:  580

<< العقل   به يميز بين الأشياء ضارها ونافعها>>

جاء في الموسوعة الفلسفية  ص 596 ومختار القاموس لأحمد الزاوي ص 432 << العقل طاقة المعرفة ومرتكزها أو حامل المعرفة في مستوى الذات الإنسانية >>

ب – النقل :

 * لغة : << نقل :  النَّقْلُ: تـحويلُ الشيء من موضع إِلـى موضع،  نَقَله يَنْقُله نَقْلاً  فانتَقَل. و التَّنَقُّل: التَّـحوُّل،>> لسان العرب لابن منظور: (630 ـ 711 هـ ـ 1232 ـ 1311 م)

* اصطلاحا:  ما انتقل عبر الأجيال من موروث ثقافي وحضاري ويقصد به في الفكر الإسلامي خاصة القرآن والسنة ويسمى النص والسمع والوحي والشرع

  2- الإشكالية في الفكر الإسلامي القديم :

أ – عند الفقهاء :

 الاتفاق على أهمّيتهما والاختلاف في الأسبقيّة مثلا :

* ظهور مدرسة الحديث والنقل بالحجاز وتقديم المنقول على المعقول إلى حد تقديم الأحاديث الضعيفة على الرأي ونجد في المذهب المالكي القول بعمل أهل المدينة من مصادر التشريع التّكميلية

* ظهور مدرسة الرّأي بالعراق وخاصّة مع المذهب الحنفي والاكتفاء بالقرآن والأحاديث الصحيحة من المنقول وفسح المجال أكثر للرأي والاجتهاد << الأرأيتيون >> وتقديم المعقول على المنقول 

ب – عند المتكلّمين : الاتفاق على أهمّيتهما والاختلاف في الأسبقيّة

* الحنابلة : الأسبقيّة للنقل إلى درجة القول << ضعيف الأخبار مقدم عل رأي الرجال >>

* المعتزلة : الأسبقيّة للعقل والنقل من ألطاف الله ليكون حجّة على العباد

* الأشاعرة : المعارف عقلية والطاعة نقلية وتفويض أمر البحث في الغيبيّات للسمع والاكتفاء بظاهر النّص

جاء في تفسير القرطبي ج: 1 ص:     265 << أن   العقل  لا يوجب ولا يحظر ولا يقبح ولا يحسن>>

  ا سم الكتاب : الجامع لأحكام القرآن

اسم المؤلف : محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح القرطبي أبو عبد الله/ وفاة المؤلف : 671

دار النشر : دار الشعب/ مدينة النشر : القاهرة / سنة النشر: 1372/ رقم الطبعة: الثانية

عدد الأجزاء :  20/ اسم المحقق : أحمد عبد العليم البردوني

ج – عند الفلاسفة : انتهى النظر الفلسفي إلى تأليه العقل مثلما نجد ذلك عند الفارابي وابن طفيل ( العقل يعوض النبوّة )

* عند ابن رشد : السعي للتّوفيق بين العقل والنّقل فلا حياة دون نظر عقلي وعمل بالشريعة كما جاء في تاريخ الفلسفة لت. ج. دي بور ص 405 << فلا يؤدّي النّظر البرهاني لإلى مخالفة ما ورد به الشّرع فإن الحق لا يضاد الحق بل يوافقه ويشهد له >>  

فالحكمة صاحبة الشّريعة والأخت الرّضيعة

ملاحظات عامّة :

1 – بسبب الجدل حول أسبقيّة العقل أو النّقل والعلاقة بينهما طرحت مسألة التّعارض بين المنقول والمعقول وأحوال التّعبّد بالقياس فرجّح بعض الأصوليين المعقول مثل سيف الدّين الآمدي بالاعتماد على اجتهادات عمر ابن الخطاب في سهم المؤلّفة قلوبهم ....

الشّرط الأساسي في هذا التّقديم للمعقول عدم التّعارض مع المقاصد العامّة للدّين

2 – تعتبر الحضارة الإسلامية حضارة مركزيّة مهما كان الرأي من المنقول فهي تدور حول الكتاب المقدّس

* من أهمّ العلوم الإسلاميّة النّاشئة عن التّفاعل مع النّص نجد علم الكلام ، الفلسفة ، أصول الفقه ، التصوّف ،قال نصر حامد أبو زيد << ليس من قبيل التّبسيط أن نصف الحضارة العربيّة الإسلاميّة بأنّها حضارة النّص >>  الكتاب المدرسي للسنة الثّالثة ص 9  

3 – مهما كان الموقف من النقل فالنّص هو المصدر الأساسي لكل المذاهب والآراء لكن تختلف طرق النظر إليه قال علي حرب << الاختلاف بين الفرق والمذاهب ليس اختلافا بين عقل ونقل بقدر ما هو اختلاف في أنماط المعقوليّة >> الحقيقة والتأويل ص 139  

3- الإشكالية في الفكر الإسلامي الحديث:

تمهيد :

تغيرت نظرة المسلمين للإشكال بدخول عنصر جديد وهو الآخر أو الحضارة الغربيّة فطرحت المسألة بشكل جديد تحت اسم التراث والحداثة

التّراث (  كل ما نقل إلينا عبر الأجيال) والحداثة ( العقلانيّة الغربيّة )

ظهرت أربعة مواقف من المسألة :

الموقف التّحديثي : إقصاء النّقل والتّراث والاعتماد الكلّي على الفكر الغربي ( مثل طه حسين ) إلى درجة اعتبار القرآن والسنّة من التّراث

الموقف السّلفي  : إقصاء الحداثة الغربيّة دفاعا عن الشّريعة والدّين والاعتماد الكلي على النقل

الموقف التوفيقي ( رجال الإصلاح )  : خاصّة الطهطاوي ومحمّد عبده ضرورة التّوفيق بين العقل والنّقل بين التّراث والحداثة لاتفاقهما في المقاصد العامّة 

الموقف النقدي : السّعي لتجاوز الإشكال من خلال الدعوة لنقد التّراث والحداثة

اعتبار الوحي مجالا للبحث والاجتهاد والعقلانيّة الغربيّة في حاجة للنقد للبحث عن المنهج المميّز للحضارة الإسلاميّة دون جمود في النّقل والتّراث أو ذوبان في العقلانيّة والتّغريب

نجد هذا التّوجه عند محمّد إقبال وحسين أحمد أمين وعلي حرب

4 - طبيعة العلاقة بين العقل والنّقل :

 أ – العلاقة :

* عَقْلٌ ولهذا قال أميرُ المُؤْمِنِين علي بن أبي طالبَ رضي الله عنه:

العَقْلُ عَقْلان            مَطْبُوعٌ ومَسْمُوعُ

ولا يَنْفَعُ مَسْمُوع                   إذا لَمْ يَكُ مَطْبُوعُ     

 كما لا يَنْفَعُ ضَوْءُ الشَّمس            وضَوْءُ العَيْنِ مَمْنُوعُ

*  وإلى الأوَّلِ أشار صلى الله عليه وسلم بقولهِ: «ما خَلَقَ اللَّهُ خَلْقاً أَكْرَمَ عليه مِنَ العَقْلِ»

* وإلى الثاني أشارَ بقولهِ: «ما كَسَبَ أَحَدٌ شَيْئاً أَفْضَلَ مِنْ عَقْلٍ يَهْدِيهِ إلى هُدًى أو يَرُّدُّه عَنْ رَدًى»

عن مفردات القرآن الكريم برنامج جامع المعاجم( قرص مدمج )   

* لا يمكن الحديث عن فصل بين المعقول والمنقول أو الحديث عن الأسبقيّة أو عن التّعارض مثلما فعل المتكلمون والفقهاء

* لا يمكن الاعتماد على العقل وإهمال النقل مثلما فعل الفلاسفة والتيّارات التّحديثيّة المنادية بإقصاء التّراث والنّقل

* لا يمكن الاعتماد على النّقل وإهمال العقل مثلما فعلت التيّارات السّلفيّة لأن النص وجه آخر للعقل والعقل وجه آخر للنص وكلاهما من الوسائل المؤدية للحقيقة مثلما قال محمد إقبال :

<< والحقيقة في نظر الإسلام هي بعينها تبدو دينا إذا نظرنا إليها من ناحية وتبدو دولة إذا نظرنا إليها من ناحية أخرى وليس صحيحا أن يقال إن الدين والدولة جانبان أو وجهان لشيء واحد فلإسلام حقيقة مفردة لا تقبل التّحليل >> تجديد التفكير الديني ص 177

 وقال علي حرب << انطلاقا من هذا الفهم للتأويل يبدو التّعارض المقام بين العقل والنقل وكأنّه ينطوي على قدر من الخداع والتّمويه ، وهو أقرب إلى أن يكون تعارضا بين نسقين من أنساق العقل وبين منحيين من مناحي الفكر >> الحقيقة والتأويل ص 146

لذلك لا بد من التّفاعل الدّائم بين العقل والنّقل لإدراك الحقيقة ومعالجة الواقع بكل تشعّباته المادّية والمعنويّة المتّصلة بعالم الشّهادة أو بعالم الغيب وهو ما يعبّر عنه بالجدل

ب – الوظيفة : 

العقل

الوحي

–  يبحث في النّص ويعلل ويشرح ويحلل ويربط ويؤلّف ويرتّب ويوحّد ويسأل ويطلب البرهان

يعتمد في مقاييسه على البداهة والمصداقيّة والحس والتّجربة

– عمل العقل ينقد وينفى ويثبت ويصحّح 

–  بيان ، ينبئ ويشير ويرمز ويبعث على التّخيّل ويخبر عن الغيب ويشهد علىاللامرئي

–          يعتمد في مصداقيّته قوّة إيحائه ومبلغ تأثيره كونه كلاما لا ينضب وهو نصّ يشرح ويفسّر ويتأوّل

سورة ص29  << كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُوا الْأَلْبَاب ِ>>

وسورة محمد24 << أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا >>

قال علي حرب : << لا شك أن الشريعة تنطوي على مبادئ وحقائق هي المعتقدات التي تتضمنها كل شريعة وهذه المعتقدات هي المبادئ الأولى للعمل >> ص 157

– لا يمكن لأحد ادّعاء أنّه يحمل النّاس على المعنى الحقيقي للنص فالكل متأوّلون إما بالفهم الظّاهري أو اللغوي أو العقلي أو الباطني .... 

قال نصر حامد أبو زيد << إن الاجتهاد في تأويل النص يعتمد على حركة العقل للنفاذ إلى أعماق النّص >> مفهوم النّص ص 237

لذلك لا توجد قراءة بريئة للوحي فيجب أن ننظر للمنطق الخفي الذي يقف وراء التّأويلات

* الملاحظ : أن الوحي معانيه مطلقة لا حدّ لها والنّتائج التي يتوصّل لها العقل نسبيّة

ج – نسبيّة نتائج العقل :

* الأسباب : تعود النّسبية في إدراك الحقائق لمحدوديّة المعارف المرتبطة بالحواس والزمان والمكان والقدرات والواقع الموضوعي

محدودية فهم الوحي تعود لمحدودية الإدراك

* النتائج : –  نسبية فلا يمكن لأحد إدّعاء أنّه فهم المراد من كلام الله على الحقيقة

–                  التطبيقات للنتائج نسبيّة فالنجاح نسبي والفشل نسبي 

–             الواقع متغيّر لذلك النتائج المتوصّل إليها بعد بحث في واقع ما تتغيّر بتغيّر الواقع 

لذلك لا بد من إعادة النّظر من جديد في الواقع والنّقل لإقامة الجدل بينهما بالاعتماد على العقل 

د– شروط الجدل :

* المشروعيّة : قوله تعالى :<<  قَالُوا يَانُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا فَأَكْثَرْتَ جِدَالَنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنتَ مِنْ الصَّادِقِين >> َ32 هود

وقوله << ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ >> النحل 125

* الشّروط : 1 ) الموضوعيّة : في التّعامل مع النّص والواقع والغاية الوحيدة معرفة الحقيقة

 قال تعالى:<< وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ>>121الأنعام

2 ) العلم بالواقع واللغة وأحكام التفسير والوسائل المساعدة عليه  :قال تعالى <<  وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَانٍ مَرِيدٍ>>  3  الحج

3 ) السعي الدّائم لفهم النص والواقع وعدم التوقف عند فهم دون آخر والوقوع في شرح التأويلات السّابقة قال تعالى : << وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ وَكَانَ الْإِنسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا54 الكهف

وقال أيضا << لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ >> 21الحشر

4 ) النّقد المتواصل للتّأويلات والاجتهادات كي لا تقدس ولا تتحول من المعقول إلى المنقول قال تعالى: <<  وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُون َ>>   170 البقرة

قال علي حرب << فالوحي أرحب من أن تضبط دلالته والحق يتّسع لكل الطّرق ولذلك فإن السعي إلى حصر المعنى والزعم بأن الطريق إلى الحق واحد إنّما ينشأ عندما تتحوّل التأويلات إلى مذاهب بل إلى معتقدات وعندما تصبح المهمة الأولى للعقل مهمّة دفاعيّة وحجاجيّة أي عندما يتحول العقل إلى منظومة مغلقة لا تنتج إلاّ مقدّماتها >> ص 160

عندها نقع في الجمود فيتحوّل النص إلى حروف لا حياة فيها ولا يعود من معنى للنقل .

 

 

تاريخ آخر تحديث: الأحد, 10 آب/أغسطس 2008 11:35